domingo, 24 de noviembre de 2013

عقيدة الثالوث عبر التاريخ و الإنجيل و المنطق و القرآن



                  
سنتطرق هنا إلى التحدث عن بعض الأوجه الأساسية بخصوص عقيدة الثالوث مع إظهار أسراره و استحالة استيعابه انطلاقا من أوجه نظر تاريخية و لغوية و منطقية و قرآنية.

الثالوث عبر التاريخ:
كلمة الثالوث حسب ما أقره علماء التاريخ استعملت لأول مرة من طرف شخص يدعى ترتليانوس (145 – 220). و هذا المعتقد أخذ يكتسب شكلا دينيا رسميا عبر مرور السنين و لم يقر بشكل نهائي إلى حتى القرن الرابع الميلادي. بحيث أنه في أول الأمر ابتدأ بالمجمع المسكوني الأول الذي انعقد في مدينة نيقية سنة 325 م حينما لأول مرة في التاريخ المسيحي يجتمع رهبان و قساوسة العالم بشكل كبير (بين 250 و 318 قسيس) ليتم الاتفاق على أن الابن (عيسى عليه السلام) لديه الذات أو الجوهر نفسه الذي يتشكل منه الأب (و يقصدون به الله عز وجل)، و هذا الطرح المبتدع الجديد عرف جدالا و نقاشا واسعا و أخذا و ردا بين مؤيد و معارض حتى العام 381 م حينما أقر بشكل قطعي في مجمع القسطنطينية.
ففي نيقية كل التركيز كان ينصب على العلاقة التي بين الأب و الابن و لم يتم التطرق إطلاقا إلى ماهية و جوهر الروح القدس. لكن في مؤتمر القسطنطينية سنة 381 ميلادية سيتم إدراج الروح القدس لأول مرة ضمن الثالوث المقدس و سوف يتم الاتفاق أيضا على عبادته و تقديسه إلى جانب الأب و الإبن زاعمين أنه يمتلك الجوهر و الذات نفسها.
أمام هذه المستجدات كلها، كان المسيحيون الآريون الموحدون لله بزعامة آريوس المناهضين و الرافضين الوحيدين في الساحة لمعتقد الثالوث كما رفضوا الاعتراف بألوهية المسيح عليه السلام. لكن الإمبراطور القسطنطيني انتبه إلى الصدع و الانقسام الذي أصاب المجتمع و رأى أنه كان يشكل تهديدا لانهيار ملكه، فعوض أن يحسم الأمر بالرجوع إلى الإنجيل و إلى المسيحية الأصل قام هو الآخر بفرض الثالوث بالقوة لأن الوحدة العقائدية تعتبر الضامن الرئيسي للوحدة السياسية فأخذ يتعقب الآريون الموحدون بالطرد و السجن و النفي أو القتل فاستدعى القساوسة و الرهبان إلى مجمع قسطنطينية الأول سنة 381 ليتم إقرار الثالوث بشكل نهائي و كل من حاول إنكاره كان يعتبر مرتدا و بالتالي فهو كافر يجوز قتله. و هنا يتضح بشكل جلي أن الدين لا يجب أن يخضع للمزايدات السياسية و إنما العكس، رجال السياسة هم الذين كان يجب عليهم الخضوع للدين و لعلمائه.

الثالوث في الإنجيل:
و عندما يبحث شخص ما في النصوص الإنجيلية سوف لن يجد أي نص يستطيع من خلاله تأكيد أن الله يتألف من ثالوث أو من ثلاث أشخاص و الذي يقول فيه بشكل قطعي و صريح: "أنا الله مكون من ثالوث(أي من ثلاث عناصر متحدة) فاعبدوني"، أما كل ما يستندون إليه من دلائل فهي لا تعزو أن تكون سوى تأويلات لنصوص غير واضحة و غير قطعية الدلالة. فلتبرير معتقدهم الجديد استندوا إلى مسألة أن الرب يتكلم مستعملا عبارة الجمع "نحن" (و هي نفس الخدعة التي يستعملها المبشرين في الديار الإسلامية لتنصير المسلمين بدليل أن القرآن يتحدث بهذه الصيغة في عدة مواضع)، كما في الآية التالية المذكورة في سفر التكوين و هو يعتبر من أسفار العهد القديم أو التوراة "وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا"(1\26)و بالرغم من ذلك فاليهود لا يقولون بتثليت الله سبحانه و تعالى.

الاستعمال اللغوي ل"نحن":
أولا، فكلمة "نحن" لا تعني أن يكون العدد المشار إليه 3 و لكن أيضا يمكن أن تشير إلى العدد 4 أو 5 أو... ثانيا، الضمير "نحن" يستعمل في العديد من اللغات باعتباره يدل على الرفعة و السمو و الاحترام، فعلى سبيل المثال في اللغة العربية، في سياق ر سمي أو سياسي فلابد من التحدث مع استعمال هذا الضمير لأن التحدث بضمير المفرد المتكلم يعتبر استكبارا أو إعجابا بالذات و لكل ذي مقام مقال. أما في اللغات اللاتينية فنجد مثلا أن في الإسبانية مصطلحا يستعمل في السياق الرسمي و الدال على الإحترام و هو Usted أي "سيادتك" و هذه الكلمة في الأصل كانت جمعا"Vuestra Merced" و تعني "سيادتكم". و عند مخاطبة شخص باللغة الفرنسية بالمفرد "أنت" TU فذلك يعتبر قلة أدب و احترام لأن الأجدر هو مخاطبته بالجمع "أنتم" "Vous". فلهذا لا يجوز الأخذ بنص قابل للتأويل في عدة أوجه باعتباره نص قطعي الدلالة و خصوصا في أمور تعتبر من الأصول كالإيمان بالله تعالى و ليس من الفروع.



الثالوث و المنطق:


كما هو معلوم عند كل أطياف المسيحية الحالية يعتبر القول باستحالة تفسير الثالوث بشكل منطقي أمرا متفقا عليه بحيث يستحيل استيعابه و فهمه في ضوء العقل. غير أننا سنقوم بتأكيد ما قالوه مستعملين القياس العقلي و المنطقي، لذلك فلنبدأ بقراءة نص الثالوث المقدس:
 " نحن نعبد إلهاً واحداً في ثالوث وثالوثاً في واحد. اقنوم الآب غير أقنوم الإبن غير اقنوم الروح القدس لكن الآب والإبن والروح القدس لاهوت واحد. هم ليسوا ثلاث آلهة بل إله واحد و الثلالثة هم متساوون و أبديون، فمن أراد النجاة فعليه أن يؤمن بهذا الثالوث "
فمن الوهلة الأولى للقارئ فهو يقف مندهشا حيرانا حول كيفية استيعاب هذه العقيدة المتناقضة و الغامضة، إلا أننا سنحاول تحليلها ضاربين مثالين على ذلك كان قد ضربهما الشيخ كشك رحمه الله لأحد القساوسة الذي جاء يجادله في الإسلام:
المثال الأول:
فلنفترض أن هناك توأم مكون من ثلاث إخوة و لا نستطيع التمييز بينهم بسبب الشبه فإذا ما ارتكب أحدهم جريمة، هل من المنطق القبض على الثلاثة؟ طبعا لا، إذا، ما الذي يجعله مختلفا على باقي إخوته؟ بكل تأكيد شخصيته المستقلة التي يمتاز بها، و بالتالي فسوف يكون ظلما إلقاء القبض على الثلاثة بالزعم أنهم يشكلون شخصا واحدا.
المثال الثاني:
إذا أحضرت لك كأسا من الماء و كأسا من الشاي و كأسا آخر من القهوة، و سألتك: كم هم؟ فإذا أجبتني على أنهم شيء واحد، سأقول لك على أنني يجب علي حذف عقلي لفهمه، و إذا ما أجبتني على أنهم ثلاث كؤوس مختلفة سأقول لك: كيف يكون الثلاثة واحد؟
بعض الأمثلة المستعملة من طرف المسيحيين:
بالرغم من الإجماع الحاصل بين كل أطياف المسيحية حول الأساس اللامنطقي للثالوث بحيث يعتمدون على مبدأ الإيمان بالقلب دون التفكير بالعقل، إلا أنه بين الحينة و الأخرى يظهر بعض الأشخاص الذين يحاولون تصحيح الغير القابل للتصحيح و تفسير الغير قابل للتفسير بهدف إنقاذ الثالوث و بالتالي عدم فقدان المزيد من الأتباع كما هو الحاصل في عصرنا هذا، عصر العلوم و العقل.
فلنلق نظرة على بعض هذه الأمثلة:
بعضهم يفسر الثالوث بضرب مثال الأصبع أو المثلث الذي يتكون من ثلاث أجزاء، و مع ذلك فهو يبقى أصبع واحد، و هنا يوجد شيء لا يعيرونه إنتباها: هل الأصبع يعتبر بسيط أو مركب؟ أو بعبارة أخرى: هل الله بسيط أم مركب؟ فكان رد السيد كشك على هذا القياس على النحو التالي:
حسب هذا المعيار فهو يعتبر مركبا، فإذا كان الله مركبا، فمن ركب الله قبل أن يكون مركبا؟ فرد عليه القس بأنه هو الذي ركب نفسه بنفسه، فسأله الشيخ كشك: كيف كانت حالته قبل أن يكون مركبا؟ فرد عليه أنه لم يكن مركبا. فاسترسل الشيخ كشك في حديثه و قال له: لو كان الله مركبا وهو الذي ركب نفسه لكان الله حدثا أو واقعة و كل حدث يأتي من العدم (بمعنى أنه لم يكن موجدا من قبل إنما وجد مع وجود الحدث) فمن الذي أخرج الله من العدم إلى الوجود؟
لهذا نجد علماء الإسلام يتفقون على أن الله تعالى منزه عن الحدث و عن المتغيرات لأن كل متغير لا يعتبر أبديا و بالتالي فهو يخضع لقانون الحياة و الموت.
و أما باستعمال الحساب المنطقي فإن 1+1+1= 3 و ليس 1.
لا أدري كيف استطاعت عقيدة غامضة و غير مفهومة أن تخرج إلى الوجود متحدية كل هذه المعايير العقلية المنطقية، و لا يأخذك العجب عزيزي القارئ إذا ما قلت لك أن أغلب الملحدين في أوربا و الذين يزداد عددهم يوما بعد يوم مرده إلى هذه المعتقدات التي تلغي كل ملكات العقل التي وهبنا الله تعالى.
و لا يسعني سوى أن أنقل ما قاله القديس و الفيلسوف المسيحي أوغسطين: "أؤمن بهذا لأنه محال"
 و لك التعليق يا عزيزي القارئ.

الثالوث في القرآن:
أما الإسلام و لله الحمد فهو يحارب جميع أشكال الشرك بكل أنواعه و يعتبرها أول الخطايا التي لا تغتفر عند الله تعالى الذي يقول في كتابه العزيز حول هذه العقيدة " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار، لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم، ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون، قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم" (المائدة: 72-76)
لكن و للأسف فإننا نجد العديد من المسيحيين الذين يقولون بأنه لا يجب استعمال العقل و المنطق في محاولة البحث عن الحق، أليس هذا نفس القول الذي كان يردده من كانوا يعبدون الأصنام و الشمس و باقي مكونات الطبيعة؟ فعلى هذا القياس يبقى من الممكن القول على أن الدين المسيحي يقف بمنزلة ليست ببعيدة عن الديانات الوثنية بما أنها تحوي معتقدات لا عقلية و لا منطقية التي لا يجب على المتبع معها سوى التصديق و التسليم.

فإذا كانت عقولنا تعجز عن فهم و استيعاب هذه العقائد، فلماذا سوف يعلمنا ربنا أشياء تتناقض معها مع العلم أنه هو من منحنا إياها و يحثنا على استخدامها؟ 

No hay comentarios:

Publicar un comentario