و الذين يعبدون عيسى و يعتبرونه إلها فقط بسبب أنه قد ولد ولادة معجزة، فلم لا يعبدون أبونا آدم أيضا بما أنه خلق بدون أب ولا أم؟ و أمنا حواء التي كان أصلها من آدم دون وجود أم؟ و حتى المتأمل في تكوين جسم الإنسان و ولادته فإنه سيدرك على أن خلقه أيضا معجزة من معجزات الله تعالى:
"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب
ثم قال له كن فيكون"
(آل عمران: 59)
فمن خلال الأمثلة الأربعة التي ضربها الله عز وجل للناس
(آدم خلق بلا أبوين، حواء خلقت من آدم، عيسى خلق من مريم و نحن خلقنا من أب و أم)
فهو يريد منا التفكر في قدرته على الخلق و بالتاي فهي آية من آيات الله تعالى: "ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا
مقضيا" (مريم: 21)
هل طلب عيسى من الناس أن يعبدوه في الإنجيل؟
و مما يزيد الطين بلة عزيزي القارئ وهو أنه لا يوجد ولو نص واحد صريح حتى في
الأناجيل المتعرضة للتحريف يؤكد أن عيسى قد طلب من الناس أن يعبدوه، كأن يقول لهم:
"أنا الله اعبدوني".
بل نجد في الإنجيل العكس من ذلك تماما، بحيث نجد أنه كان قد طلب هو
نفسه من الشيطان أن يبتعد عندما طلب منه السجود أمامه:
"ثم أخذه أيضا إبليس إلى جبل عال جدا، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها، وقال له: أعطيك هذه جميعها إن خررت
وسجدت لي، حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان لأنه
مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد" (متى 4: 8-10)
و هذا النص يشكل دليلا صريحا على أنهم لا يملكون أي عذر
بعد شركهم هذا غدا أمام الله يوم البعث.
و ما زلت أذكر حينما كنت أجري حوارا مع بابا الكنيسة
البروتستانتية في مقهى من مقاهي مدينة فاس و كنت قد إدعيت أنني أدرس الإنجيل بغرض الانضمام إلى
كنيستهم التي كانت تهتم في تلك الأيام بتنصير المسلمين، فقلت له: "أنني إنسان
مبدئي فيما يخص الدين، فلا أقبل الأشياء التي لا تأتي من لسان سيدنا يسوع لأن
قبولها يعتبر بدعة و البدع عادة ما تجني على الدين سوى المصائب." فوافقني
على كلامي هذا.
فقلت له: "أنتم
تقولون أنكم تعبدون سيدنا يسوع، و لكن هل بإمكانك أن تقول لي أين طلب منا يسوع أن
نعبده في الإنجيل؟" فقال لي أنه لم يطلب ذلك لأنه كان متواضعا. فقلت له: "إذن
فالمسلمون معذورون إذا لم يعبدوا عيسى لأنه هو بنفسه لم يطلب ذلك من الناس و
بالتالي فأنا و كما قلت لك لا أقبل من الدين إلا ما جاء على لسان يسوع المسيح و
مادام هذا الأمر يتعارض مع نص الإنجيل فأنا أرفضه تماما. و إذا ما سألني يوم
القيامة لم لم تعبدني؟ فسأرد عليه على أنه لم يطلب ذلك."
"وإذ قال الله يا عيسى
ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال سبحانك ما يكون لي
أن أقول ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في
نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله ربي وربكم
وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء
شهيد، إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم." (المائدة: 116-118)
و ما زلت لم أفهم لماذا عندما لا يستطيعون إيجاد نص صريح
في الأناجيل حيث يطلب عيسى من خلاله الناس أن يعبدوه فهم يردون ذلك لأنه كان
إنسانا متواضعا، ولا زلت لا أدري كيف أن الله سيكون متواضعا مع الناس بينما نصوص
الكتاب المقدس مملوءة بقصص عقاب الله للأقوام الذين رفضوا رسالات أنبياءه و رسله
التي كانت تدعوا بعبادته وحده دون أن يشرك به. و إذا كان عيسى إلها فهذا يقتضي منه
أن يكون متكبرا أمام خلقه كأن يقول بشكل صريح كما في القرآن: "أعبدوني أو
تدخلون النار". أما التواضع فهو ليس إلا صفة يجب أن يكتسبها الإنسان حتى
لا يحس بالكبر و العجرفة أمام الناس و أمام ذاته الضعيفة و المسكينة التي بالكاد
تستطيع أن تقاوم أمام ابسط الأمراض.
"لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا
الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا" (النساء: 172)
و قال تعالى: "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة
ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون
الكتاب وبما كنتم تدرسون، ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم
بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون" (آل عمران: 80)
و ماذا لو قال أحدهم أنه إله من دون الله؟
"ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه
جهنم كذلك نجزي الظالمين." (الأنبياء: 29)
No hay comentarios:
Publicar un comentario